مقالات وأراء

الحرب المؤجلة بين واشنطن وطهران: كيف أعادت سياسة الاحتواء تشكيل أمن الخليج العربي والطاقة العالمية؟

أ.د. عبدالوهاب العوج::

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُدار وفق منطق الحرب التقليدية المباشرة بل انتقلت تدريجياً إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على “الاحتواء المتبادل” وإدارة الاستنزاف طويل الأمد، وهي مرحلة لا تعني انتهاء الصراع وإنما تعني انتقاله من ساحة الصواريخ والطائرات إلى ساحات الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والتحالفات الدولية. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الهائل، باتت تدرك أن أي حرب شاملة ضد إيران لن تكون عملية جراحية سريعة كما حدث في العراق عام 2003، بل قد تتحول إلى حرب إقليمية واسعة تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، وتؤدي إلى اضطراب خطير في أسواق الطاقة العالمية، وربما إلى أزمة اقتصادية دولية جديدة تضرب الاقتصادات الغربية والآسيوية في آن واحد، و لهذا السبب اتجهت السياسة الأميركية خلال السنوات الأخيرة إلى ما يمكن وصفه بـ”الاحتواء المرن”، أي ممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري على إيران مع تجنب الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل، و هذه السياسة تقوم على إضعاف إيران ومنع تمددها دون التورط في حرب مفتوحة قد تكون تكلفتها أكبر من نتائجها.

لكن بالمقابل فأن هذه الاستراتيجية الأميركية خلقت واقعاً جيوسياسياً جديداً في الخليج العربي، فدول الخليج لم تعد مجرد حليف أمني لواشنطن بل أصبحت جزءاً من معادلة الردع العالمية المرتبطة مباشرة بأمن الطاقة الدولي. أي تصعيد مع إيران لم يعد يُنظر إليه باعتباره أزمة إقليمية محدودة بل باعتباره تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي بأكمله. إيران من جهتها تدرك هذه الحقيقة جيداً ولذلك لم تعد تعتمد فقط على برنامجها النووي كورقة تفاوض بل أصبحت تعتمد بصورة أكبر على “ورقة الفوضى الإقليمية”، بمعنى أن طهران تحاول إيصال رسالة واضحة للعالم مفادها أن سقوطها أو خنقها اقتصادياً لن يؤدي إلى استقرار المنطقة بل إلى انفجار شامل يهدد الملاحة والطاقة وأسواق النفط العالمية. هذا ما يفسر التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية النفطية في الخليج العربي، فإيران تعرف أن نحو ثلث تجارة النفط البحرية العالمية تمر عبر هذا الممر الحيوي وأن أي اضطراب فيه، حتى لو كان محدوداً، سيؤدي إلى ارتفاعات هائلة في أسعار الطاقة. هنا تتحول دول الخليج العربي إلى “الرهينة الجيوسياسية” الأكثر حساسية في العالم، فالسعودية والإمارات وقطر والكويت ليست فقط دولاً منتجة للطاقة بل تمثل العمود الفقري لاستقرار سوق النفط والغاز العالمي، ولذلك فإن أي تصعيد عسكري واسع سيجعل منشآت النفط والغاز والموانئ ومحطات التصدير أهدافاً مباشرة في أي مواجهة.

ان الخطر الاكبر على الخليج لا يقتصر فقط على الهجمات العسكرية المباشرة بل يمتد إلى الضغوط الجيوسياسية المتزايدة الناتجة عن الصراع الأميركي الصيني، فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط الخليجي بينما تبقى الولايات المتحدة الضامن الأمني الرئيسي لدول الخليج، وهذا التناقض يضع العواصم الخليجية أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن الحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن دون خسارة الشراكة الاقتصادية مع بكين؟

هذه المعضلة قد تصبح أكثر حدة خلال السنوات القادمة خصوصاً إذا تصاعدت الحرب الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين أو إذا قررت واشنطن فرض ضغوط أكبر على الدول التي تستمر في توسيع تعاونها الاقتصادي والطاقة مع بكين. أما على مستوى آسيا فإن التأثيرات تبدو أكثر خطورة بكثير مقارنة بأوروبا، فالقوى الصناعية الكبرى في آسيا مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بصورة شبه حيوية على نفط وغاز الخليج العربي، فبعض من هذه الدول يحصل على أكثر من نصف احتياجاته النفطية عبر مضيق هرمز ما يجعل أي اضطراب في الخليج تهديداً مباشراً للصناعة والنقل والنمو الاقتصادي. الصين باعتبارها أكبر مستورد للطاقة في العالم تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة في الخليج قد تتحول إلى تهديد استراتيجي مباشر لاقتصادها وأمنها الصناعي، لذلك تسعى بكين إلى تجنب انهيار العلاقة مع إيران من جهة وتجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، وهو ما يفسر محاولاتها المتكررة للعب دور الوسيط الإقليمي.

حيث ان الهند كذلك تواجه وضعاً بالغ الحساسية لأنها تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة الخارجية، وأي ارتفاع حاد في أسعار النفط سيؤدي إلى ضغوط هائلة على الاقتصاد الهندي وعلى قيمة العملة والتضخم الداخلي. أما اليابان وكوريا الجنوبية فتعتمدان بصورة شبه كاملة على واردات الطاقة البحرية، ولذلك فإن أي إغلاق لمضيق هرمز حتى لفترة مؤقتة قد ينعكس مباشرة على قطاعاتهما الصناعية والتكنولوجية والتصديرية، و في المقابل تبدو أوروبا أقل اعتماداً على نفط الخليج مقارنة بآسيا خصوصاً بعد محاولاتها تنويع مصادر الطاقة عقب الحرب الروسية الأوكرانية، لكن ذلك لا يعني أنها ستكون بمنأى عن الأزمة. فارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً سيؤدي إلى موجة تضخم جديدة داخل أوروبا وقد يعيد أزمات الطاقة والصناعة التي شهدتها القارة خلال السنوات الأخيرة. كما أن أوروبا تدرك أن أي اضطراب طويل الأمد في الخليج سيزيد من اعتمادها على الغاز الأميركي، وهو ما قد يرفع تكلفة الطاقة الأوروبية ويضعف القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية أمام الولايات المتحدة وآسيا. وفي هذا السياق فإن سياسة الاحتواء الأميركية لا تبدو استراتيجية حل نهائي بقدر ما تبدو محاولة لإدارة الأزمة ومنع انفجارها الكامل.
فمن الملاحظات الاخيرة والشواهد الكثيرة ان واشنطن لا تريد حرباً كبرى لكنها في الوقت ذاته لا تريد السماح لإيران بالتحول إلى قوة نووية كاملة أو قوة إقليمية غير قابلة للردع. لكن المشكلة الجوهرية أن هذه السياسة تُبقي المنطقة في حالة توتر دائم بحيث يصبح الشرق الأوسط أشبه ببرميل بارود قابل للاشتعال في أي لحظة سواء عبر خطأ عسكري أو هجوم محدود أو انهيار تفاوضي مفاجئ. ولهذا فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس الحرب نفسها بل “استمرار اللاحرب”، لأن المنطقة تعيش حالة استنزاف اقتصادي وأمني وسياسي طويلة المدى، تتداخل فيها الحسابات الأميركية والإيرانية والإسرائيلية والصينية والروسية بينما يبقى الخليج العربي في قلب هذه العاصفة باعتباره مركز الطاقة العالمي وأحد أهم مفاتيح التوازن الاقتصادي الدولي.

  • أكاديمي ومحلل سياسي يمني.
    – جامعة تعز

محمد عبده

About Author

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *