المؤامرة المزعومة: كيف استُخدم اسم صالح لتغطية فشل الرئاسة وانقسام الإصلاح؟

إبراهيم خالد::

​لطالما سوقت أحداث سقوط صنعاء وتمدد جماعة الحوثي كسيناريو أحادي الجانب بطله “تحالف خفي” يقوده علي عبد الله صالح. لكن القراءة المتأنية للمعطيات على الأرض وواقع هيكلة الجيش ومواقف القوى السياسية التقليدية تكشف عن مشهد أكثر تعقيداً. مشهد يثبت أن اتهام صالح لم يكن سوى ستارٍ كثيف أُسدل لتغطية عجز مؤسسة الرئاسة عن اتخاذ القرار. وتمرير الانقسامات العميقة التي عصفت بخصوم الحوثي التاريخيين.

​لا يوجد أي دليل موثوق يثبت وجود تعاون بين علي عبد الله صالح والحوثيين قبل عملية عاصفة الحزم.فجميع ما يتم تداوله يستند إلى تسجيلات منسوبة إلى قناة الجزيرة. وهي تسجيلات مثيرة للجدل لم تحسم صحتها بشكل قاطع. وبالتالي لا يمكن اعتمادها كدليل. كما يرى كثيرون أنها استخدمت أو جرى التلاعب بها في سياق التوظيف السياسي والحزبي.

إن موقف صالح خلال الفترة (2012 ـ 2015) قبل قيام عملية تحالف عاصفة الحزم لم يكن استثناءً. بل كان مثل مواقف جميع القيادات السياسية والعسكرية والمشايخ في اليمن. ولا يختلف عن اليدومي والآنسي وعلي محسن الأحمر الذين وقفوا موقف المتفرج أو المتردد أمام التمدد الحوثي بل إن بعضهم ذهب إلى صعدة للقاء قيادة الحوثيين ومحاولة التفاهم معهم وتجنب الوقوع في فخ عبدربه والدخول في صراع مباشر مع الحوثي.

​لقد ساد هذا الترقب والتردد لدى جميع القيادات اليمنية بسبب غموض المشهد والتخوف من موقف الرئاسة اليمنية تجاه توسع الحوثي. حيث نشأت حالة من القلق والحذر نتيجة صمت الرئاسة. بل واتهامات بوجود تسهيلات ودعم مباشر للحوثيين من قبل الرئيس ووزير دفاعه واللجنة الرئاسية التي كانت تكلف من الرئيس في النزول إلى المناطق التي لم يستطع الحوثي هزيمتها وكسرها عسكرياً. فتقوم اللجنة بتلك المهمة بدلاً عن الحوثيين.

أما بشأن الاتهامات التي تقول إن صالح كان يتواصل مع مشايخ وقادة عسكريين ويوجههم لتسليم مواقعهم فهي ادعاءات غير حقيقية وتعتمد بشكل أساسي على تلك التسجيلات المثيرة للجدل.

​ما حدث على الأرض يكشف عدم مصداقية ذلك الادعاء والأقاويل .ففي البداية كانت هناك مقاومة فعلية للحوثيين في دماج وكتاف والجوف خلال عام 2011 ولم يستطع الحوثي هزيمتهم، وتم توقيف المعارك بسبب وساطة “حسين الأحمر”.
في عام 2013 عاد الحوثيون مجدداً إلى الحرب ولم يستطيعوا إسقاط دماج بعد شهور من المعارك والحصار. هذه المناطق تركت تواجه مصيرها وحدها. إن الدولة بقيادة عبد ربه منصور هادي لم تقدم دعماً حقيقياً بل إن مواقفها ساهمت في إضعاف القوى التي كانت تعيق التوسع الحوثي ومن خلال اللجنة الرئاسية المشكلة من قبل عبدربه سلمت دماج والمناطق القبلية الأخرى للحوثي.

وعندما سقطت حاشد وتم تفجير بيت الأحمر وتشريد أبنائهم حدث ذلك أمام مرأى قوى عسكرية (تابعة للفرقة الأولى مدرع لواء عسكري في حرف سفيان واللواء 310 مدرع والوية أخرى تتبع الفرقة). وقوى سياسية لم تتدخل خصوصاً حزب الإصلاح. وعندما تم القضاء على لواء 310 مدرع ترك يواجه مصيره دون إسناد وهذه ليست أوامر تسليم بل نتيجة مباشرة للخذلان والانقسام وغياب القرار في حزب الإصلاح.

​لقد استغل الحوثي أخطاء خصومه بذكاء. فقدم نفسه كخصم للجناح القبلي داخل حزب الإصلاح واستطاع القضاء على بيت الأحمر.وكقوة ضد التطرف في دماج وضد الجناح العسكري في الإصلاح مدعياً أن معركته للقضاء على نفوذ علي محسن الأحمر فقط. وهي خطابات خدعت الكثيرين أو دفعتهم للحياد.

وبينما كان الحوثيون يحتلون مباني الفرقة وجامعة الإيمان في العاصمة صنعاء كان الجناح السياسي للإصلاح في دار الرئاسة منتظراً الحوثي إكمال العمليات العسكرية ضد علي محسن لتوقيع اتفاقية السلم والشراكة التي شرعنت أعمال الحوثيين وتم توقيعها يوم 21 سبتمبر 2014.
هذا الانقسام داخل حزب الإصلاح ترك قواعده تواجه الحوثيين بشكل فردي بينما دخل الجناح السياسي في مسار تفاوضي وأرسل وفوداً إلى صعدة لمقابلة عبد الملك الحوثي ويبارك ذلك عبر بياناته في الوقت الذي كان فيه أعضاؤه في مواجهة عسكرية في أرحب ويتعرضون لأبشع الانتهاكات من الحوثي.

​بعد هذه الأحداث أصبح من الطبيعي أن تنهار مقاومة القبائل والقوات العسكرية وليس السبب أوامر مباشرة بالاستسلام بل نتيجة الشعور بالخذلان وغياب الدعم من الدولة وتفكك التحالفات التقليدية.

بالإضافة إلى نجاح الحوثيين في استغلال القضايا المجتمعية لكسب تأييد أو حياد الناس. مثل طرح معركتهم في دماج على أنها ضد التطرف الوهابي أو القاعدة. وفي حاشد ضد النفوذ القبلي. وفي عمران وصنعاء ضد نفوذ علي محسن هذه السرديات أثرت على مواقف الناس فإما دعموا أو التزموا الصمت.

وعلى الصعيد الآخر تتحمل قيادة الدولة ممثلة في الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته مسؤولية تاريخية نتيجة لضعف الإدارة العسكرية وغياب قرار الحسم.
إذ إن استراتيجية “الضرب بخصم لآخر” ومساعي الرئيس هادي لتوظيف الحالة الحوثية كأداة وظيفية لتقويض نفوذ حزب الإصلاح منحت الحوثي غطاءً سياسياً و”ثغرة سيادية” شرعنت التغلغل الحوثي وعبدت الطريق لسقوط المحافظات. وفي ظل هذا الفراغ القيادي والصمت المريب من الرئاسة ووزارة الدفاع وجد الحوثيون طريقهم ممهداً للتقدم مما أدى لتفكك خطوط الدفاع وانهيار الروح المعنوية أمام مشهد بدا فيه القرار السياسي متواطئاً مع الانهيار الميداني.

​أما فيما يتعلق بالرواية التي تزعم أن الحرس الجمهوري سلم معسكراته بأوامر من صالح فهي رواية غير دقيقة وتفتقر إلى الأساس الواقعي. فبعد عام 2011 لم يعد للحرس وجود فعلي في مناطق المواجهات بصعدة وعمران، والألوية التي كانت في نهم وأرحب تم السيطرة عليها في 2011 من قبل قوات تابعة لعلي محسن والإصلاح.
وبعد تولي عبد ربه الرئاسة أُعيدت هيكلة الحرس بشكل شامل وتغيير قياداته بأتباع عبد ربه وتحولت ثلاثة من ألويته كانت تتمركز في صنعاء إلى قوات حماية رئاسية تحت إشراف الرئيس المباشر . وتم هيكلة قوات الصواريخ ووحدات أخرى تابعة للحرس وتحويلها إلى ما عرف بالاحتياط الاستراتيجي وإضافة قوة عسكرية أخرى لهذا التشكيل الجديد. ومقره معسكر 48 في صنعاء بقيادة علي الجائفي . إضافة إلى ذلك شكلت قوات احتياط تابعة لوزارة الدفاع من بعض ألوية الحرس الجمهوري بينما نقلت ألوية أخرى إلى الجنوب.
إن انتقال تبعية الحرس الجمهوري إلى وزارة الدفاع ورئاسة الجمهورية وهيكلتها وإعادة توزيعها. يضعف فرضية وجود سيطرة مباشرة لصالح عليها.

وعليه إذا غاب القرار الرسمي بالمواجهة فلا يمكن منطقياً تحميل هذه القوات مسؤولية عدم القتال أو اعتبار ذلك خيانة.

​إن الإصرار على حصر كارثة سقوط الدولة في زاوية “القرار الفردي” أو “المؤامرة المسبقة” ليس إلا محاولة لتبسيط مشهد غارق في التعقيد وهروباً من استحقاق المحاسبة الجماعية فالتاريخ لا يكتب بالخصومات السياسية بل بوقائع الميدان وموازين القوى. وبدلاً من تدوير سرديات تفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق، حان الوقت للاعتراف بأن انهيار الجمهورية كان الثمن الباهظ الذي دفعه الجميع نتيجة ارتهان القرار السيادي للحسابات الحزبية وتغليب تصفية الحسابات على بناء الدولة.

وفي الخلاصة ليس من الإنصاف أن نضع كل لوم سقوط الدولة على “شماعة” علي عبد الله صالح وحده كما أنه ليس من المنطقي تبرئة أي طرف. الحقيقة أن ما حدث كان فشلاً جماعياً شارك فيه الجميع من رئاسة عجزت عن القرار وقوى سياسية غرقت في صراعاتها وقادة عسكريين تخلوا عن مواقعهم. لقد سقطت العاصمة لأن الجبهة كانت مفككة.وهو ما مكن الحوثي من استغلال التناقضات. وإن تحميل المسؤولية لشخص واحد هو هروب من الحقيقة الكلية.
الحقيقة التي تقول إن اليمن ضاع بسبب حسابات خاطئة لأطراف انشغلوا بتصفية ماضيهم وتركوا الوطن يواجه مصيره وحيداً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *