أ.د.عبدالوهاب العوج
الاستنتاج المركزي سريع وواضح، السعودية لم تعد تسيطر لوحدها على مصير مسار التسوية السياسية في اليمن، بل أصبحت جزءًا من منظومة قرار إقليمية ودولية تتقاسم النفوذ على مجريات اللعبة، والعامل الحاسم الآن هو قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على إدارة نتائج هدنة غزة وتأثيرها على ميزان القوة في المنطقة، وهذا ما يفسر سلوك الرياض الاحترازي منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ.
أولاً، طبيعة المأزق السعودي، ولماذا سميّته مأزقًا استراتيجيًا، بسيطة ومركزية في آن معًا، السعودية لا تريد تصعيدًا عسكريًا واسعًا في اليمن لأن كلفة ذلك سياسياً واقتصادياً وداخلياً أعلى بعد رؤية 2030 ومحاولات جذب الاستثمار الأجنبي، كما أنها لا تريد نتيجة تسوية تُقدَّم على طبق للحوثي كشريك شرعي دون مقابل سياسي أو ضمانات أمنية واضحة، ومع ذلك الحوثيون عززوا من ضغطهم السياسي والعسكري لكي يفرضوا أنفسهم على طاولة الأمم المتحدة باعتبارهم طرفًا لا يمكن تجاهله، وهذا التوازن جعل الرياض تتجه إلى إدارة الجمود بدلاً من السعي إلى حسم عسكري أو تنازل سياسي كامل.
ثانيًا، كيف تغيّر سلوك السعودية منذ وقف إطلاق النار في غزة، ولاحظ أن ما نراه ليس تردداً عاطفياً بل إعادة حساب استراتيجية، فقد ظهرت مجموعة من المؤشرات العملية، منها تخفيف لغة التصعيد الإعلامي ضد الحوثيين، قبول مسارات محدودة لتبادل مصالح أو تسهيلات إنسانية من خلال دفع المرتبات و فك الحصار و غيره، وتفضيل القنوات الدبلوماسية والاقتصادية على الخيارات العسكرية المباشرة، كما لو أن الرياض تسعى إلى الحفاظ على هامش مناورة سياسي مع إبقاء خيار الرد السريع متاحًا إذا تعدت الخطوط الحمراء، وهذا يرجع لارتباط ملف اليمن بمطالب وتحولات أوسع تشمل العلاقة مع واشنطن وإدارة المرور في البحر الأحمر وحماية خطوط التجارة الدولية.
ثالثًا، تصاعد الضغوط الحوثية بعد الهدنة غيّر معادلات القدرة على فرض شروط التسوية، فالحوثيون شرعوا في مزيد من المحاولات السياسية والدبلوماسية لكسب اعتراف جزئي أو حضور في عملية الأمم المتحدة، وفي الميدان استمروا في استغلال نافذة الغطاء الإقليمي لتعزيز مواقعهم والتصريح بأنهم اصبحو يمتلكون صواريخ ومسيرات اكثر تطورا تستطيع استهداف منابع النفط في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية كما حدث سابقا في بقيق و خريص، بينما عززت خطواتهم من ردة فعل أطراف دولية ومحلية قلقة من عواقب تقوية أمر واقع مشروط أو غير مشروط، وهذا ما يجعل أي عودة إلى اتفاق شامل مرتبطة بشروط متعددة تتجاوز قدرة الرياض منفردة على الإجابة عنها.
رابعًا، دور الفاعلين الخارجيين وتحول القرار من أحادي إلى متعدد، لا يمكن فهم سياسة الرياض إلا إذا وضعناها في سياق ثلاث ضوابط متداخلة؛ واشنطن التي تملك تأثيرًا في التزامات أمنية وعملياتية، طهران التي تملك أدوات النفوذ النوعي على الحوثيين، والأمم المتحدة التي تحتفظ بإطار شرعية سياسي يمكن أن يمنح الحوثي حضورًا بصيغة توافقية، وعليه فإن الرياض باتت تحرك أوراقها ضمن شبكة ضمانات ومساومات، والنتيجة هي أن العودة إلى تسوية لن تتأتى بمبادرة سعودية خالصة، بل تتطلب تفاهمات أو على الأقل موافقات إقليمية ودولية.
خامسًا، التداعيات العملية والسيناريوهات الممكنة، الأول سيناريو إدامة الجمود حيث تستمر المملكة في تجميد المواجهة مع إدارة عمليات محدودة لمنع استنزاف مواردها في حرب تطول ولا تحسم، والثاني سيناريو تسوية متدرجة بوساطة دولية تُقنع الرياض بتنازلات متبادلة مقابل ضمانات أمنية واقتصادية، والثالث سيناريو تصعيد محدود لو تجاوز الحوثيون خطوطًا حمراء تؤثر مباشرة على المصالح السعودية أو الممرات البحرية وامن منابع الطاقة النفطية، وكل سيناريو من هذه السيناريوهات يتطلب أدوات تفاوض مختلفة ومنظمات ضمان متعددة الأطراف، لذلك أي توقع يجب أن يأخذ في الحسبان أن موازين القوى في المنطقة قد تتبدل بسرعة تبعًا لنتائج هدنة غزة وطبيعة الضغوط الدولية والإقليمية.
ختامًا، الرسالة للأطراف الإقليمية والدولية واضحة، اليمن لم يعد ملفًا يمكن حسمه بقرار دولة واحدة، السعودية تحت ضغط تصفير المشاكل مع دول الإقليم ورؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وتجاذبات إقليمية ودولية مما يجعلها تفضّل الحلول ذات التكلفة المنخفضة سياسياً وعسكرياً، لذلك إن كان هناك من يرغب فعلاً في تسوية مستدامة، فعلى واشنطن والأمم المتحدة ودول الجوار أن يصيغوا حزمة ضمانات متكاملة تأخذ بعين الاعتبار مخاوف الرياض الأمنية والسياسية، وفي المقابل، ينبغي أن تُصاغ آليات مقنعة لوقف استغلال أي هدنة لتعزيز أمر واقع عسكري دون مقابل سياسي واضح، وإلا بقيت اليمن حقلًا لجمود طويل وإعادة ترتيب للنفوذ على حساب الشعب اليمني أولاً وأخيرًا.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني
