المحادثات السعودية–الحوثية… تسوية غامضة على حساب السلام الحقيقي في اليمن

أحمد محمد أحمد الخالدي

تشهد الساحة اليمنية تطورات متسارعة تكشف عن مواصلة الحراك الدبلوماسي المكثف بين الرياض وصنعاء عبر وساطات عمانية وإشراف المبعوث الأممي إلى اليمن. هذا الحراك يأتي كما بدأ في ظل غياب واضح للحكومة اليمنية الشرعية عن دائرة القرار، ما أثار موجة من التساؤلات حول طبيعة التفاهمات الجارية ومدى توافقها مع المرجعيات الثلاث التي يقوم عليها المسار السياسي في اليمن.

فالجولات المكوكية للمبعوث الأممي بين الرياض وصنعاء ومسقط، إلى جانب تسريبات إعلامية متكررة عن تقدم في الملفات الاقتصادية، توحي بأن هناك استئناف لتفاهمات بين المملكة وجماعة الحوثي، التي تركز فقط على ملفي الرواتب وإعادة الإعمار، وهي الملفات التي تعتبرها الجماعة “مدخلاً لسلام مشروط بشروطها”.
ومن الواضح أن الملف الإنساني والاقتصادي – المتمثل في الرواتب وفتح الموانئ والمطارات وإعادة الإعمار – أصبح هو محور التفاهمات الحالية، في حين يتم تأجيل قضايا التسوية السياسية والعسكرية المعقدة كملف السلاح والانسحاب والاعتراف بالشرعية.
هذا التركيز الأحادي على الجوانب الإنسانية يمنح الحوثيين نافذة لاستعادة شرعيتهم الاجتماعية والاقتصادية، إذ يسعون إلى الظهور أمام جمهورهم كسلطة أمر واقع قادرة على انتزاع الحقوق من الرياض والمجتمع الدولي.

ومن الواضح إن الرياض قد تسعى إلى تسوية لملف الجبهة الجنوبية واغلاق ملف الحرب من منظور أمني بحت، لكن أن أي تنازلات مالية أو سياسية تُمنح للجماعة دون ضمانات، قد تنعكس مستقبلاً كخطر استراتيجي على الأمن الإقليمي ذاته.

وفي مفارقة لافتة، برزت في الأسابيع الأخيرة تصريحات لقيادات حوثية عليا – بعضها للمتحدث الرسمي للجماعة محمد عبدالسلام ولعضو المكتب السياسي محمد البخيتي وآخرون من الدائرة المقربة من زعيم الجماعة – تتهم السعودية بعدم تنفيذ كامل بنود الاتفاق غير المعلن، والتركيز فقط على ملف الرواتب وإعادة الإعمار، دون المضي في خطوات سياسية أوسع تشمل “إنهاء الحصار ورفع القيود عن الموانئ والمطارات” حسب زعمهم.
وفي الوقت ذاته، دفعت الجماعة أذرعها الإعلامية والناشطين الموالين لها إلى إطلاق خطاب تهديدي موجّه للمملكة العربية السعودية والإمارات، يتحدث عن “الخيارات العسكرية المفتوحة” إذا لم تلتزم الرياض بما تم الاتفاق عليه.
هذا الخطاب التصعيدي، بحسب محللين، ليس موجهاً فعلياً للحرب بقدر ما هو ضغط سياسي منظم يهدف إلى دفع المملكة لتقديم مزيد من التنازلات الاقتصادية، واستثمار أي تأخير سعودي كوسيلة لإعادة تعبئة جمهورها وإظهار نفسها كضحية “نقض العهود”.

كما تتزامن هذه التهديدات مع أزمة مالية غير مسبوقة داخل الجماعة، نتيجة تجميد أموالها في مؤسسة “القرض الحسن” اللبنانية المرتبطة بحزب الله، إضافة إلى تضرر إيراداتها بفعل العقوبات الأمريكية على شخصيات ومؤسسات اقتصادية تابعة لها، وكذلك الضربات التي استهدفت منشآت حيوية كميناء الحديدة.
كما تواجه الجماعة صراعات داخلية على إدارة الموارد، وصعوبات في إعادة هيكلة بنيتها الإدارية والاقتصادية بعد اتساع رقعة الفساد والاحتكار داخلها.
لذلك، فإن الحوثيين يسعون بشدة إلى الحصول على تدفق مالي جديد – سواء من خلال صرف الرواتب عبرهم أو عبر تمويل مشاريع الإعمار في مناطق سيطرتهم – لإعادة إنعاش منظومتهم الاقتصادية والعسكرية التي تآكلت بفعل الضغوط الداخلية والخارجية.

إن تمرير أي تفاهم مالي أو إنساني مع الحوثيين دون إشراف مباشر من الحكومة اليمنية الشرعية يشكّل سابقة خطيرة في البنية القانونية والسياسية للنزاع اليمني.
فذلك يعني عملياً اعترافاً ضمنياً بسلطة الحوثيين كطرف ندٍّ للدولة، ويمنحهم موارد تمويل تمكنهم من تعزيز قدراتهم العسكرية وفرض واقع سياسي جديد على الأرض.
كما أن تصاعد الخطاب العدائي الحوثي تجاه السعودية والإمارات يعكس رغبة الجماعة في توسيع هامش الابتزاز السياسي، فهي تدرك أن أي تصعيد عسكري جديد سيضع الرياض أمام خيارين كلاهما مكلف: إما العودة للمواجهة أو القبول بشروط إضافية.

إن ما يجري اليوم من حوار غير معلن بين السعودية والحوثيين لا يمكن قراءته كسلام شامل، بل كتسوية جزئية مؤقتة تخدم أهدافاً أمنية قصيرة المدى.
فغياب الحكومة الشرعية عن المشهد، وغياب الشفافية في تفاصيل الاتفاقات، وعودة الخطاب الحوثي المزدوج بين “التهدئة والتهديد” – جميعها مؤشرات على أن الجماعة لا تزال تراهن على سياسة كسب الوقت وإعادة التموضع، لا على تسوية حقيقية تنهي الحرب.
لذا فإن أي عملية سلام تتجاوز الدولة اليمنية ومؤسساتها لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بشكل أعمق، وتمنح الحوثيين فرصة ذهبية لإعادة ترتيب صفوفهم واستعادة قوتهم العسكرية والمالية تحت لافتة “الإنسانية والإعمار”.
وهو ما يجعل المرحلة القادمة من أدق المراحل التي تمر بها الأزمة اليمنية منذ بدايتها.
بين سلام هشّ يتجاهل جوهر المشكلة، ومخاض تسوية محفوفه بالمخاطر، تُمهد من جديد لحرب مؤجلة تنتظر شرارة جديدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *