لم تعرف اليمن في تاريخها، بكل حروبها وصراعاتها، أن تمتد أيادي الغدر والجبن إلى امرأة تعمل في ميدانها بشرف وتواضع وإخلاص. لكن تعز اليوم، المدينة التي كانت تُعرف بمدينة الثقافة والعلم والجمال، تُستباح أمام أعين الجميع بجريمة وحشية اغتالت افتهان المشهري، مديرة صندوق النظافة والتحسين، المرأة التي كرّست حياتها لخدمة مدينتها وجعلها أكثر جمالاً وحياة.
إن اغتيال افتهان ليس جريمة عابرة؛ بل هو اغتيال للإنسانية، للقيم الدينية والوطنية، للعادات والتقاليد التي صانت المرأة اليمنية عبر مئات السنين. هو اغتيال للنظام والقانون، وللعمل المؤسسي، ولروح المسؤولية التي تجسدت في هذه المرأة البسيطة، التي لم تحمل سوى كفاحها اليومي وعزيمتها من أجل وجه مدينة أنقى وأنظف.
لقد اغتال المجرمون كل شيء جميل في هذه المحافظة: اغتالوا الأخلاق، اغتالوا الأمان، اغتالوا معنى أن تكون تعز مدينةً للحياة لا مدينةً للموت. لم يقتلوا افتهان فقط، بل أطلقوا الرصاص على الأمل، على صورة التواضع والجد والاجتهاد التي جسدتها في عملها، على آخر ما تبقى من احترام لمكانة المرأة ودورها في المجتمع.
يا أبناء الوطن، إن اغتيال افتهان المشهري لم يكن استهدافاً لشخصها فقط، بل هو امتداد لمسلسل طويل أرادوا به إسكات كل صوت وطني حر. اليوم صار كل صوت وطني يُغتال، كل ضمير حي يُكمم، وكل نفس مخلصة تُستهدف… لصالح من هذا؟
لصالح من يُراد أن تتحول تعز إلى مقبرة للكوادر، وهاوية للأصوات الوطنية، ومدينة تُفرغ من شرفائها؟ لصالح من تُصفى العقول وتُرهب النساء وتُسفك الدماء الطاهرة في وضح النهار؟
إننا أمام مؤامرة لا تقل خطورة عن الحروب التي أنهكت الوطن. مؤامرة تستهدف قيمنا، نسيجنا، وأمننا الاجتماعي، لصالح أجندات لا ترى في تعز إلا ساحة لتصفية الحسابات ودفن الأمل.
فليعلم المجرمون أن دم افتهان ليس مجرد نقطة دم سالت، بل هو نهر سيجرفهم جميعاً، وجرس إنذار لن يترك ضميراً حياً ساكناً بعد اليوم.